أخبار عاجلة

القنص بالمغرب: مشاكله، تحدياته ومستقبله

يعتبر القنص بالمغرب أحد أهم الأنشطة الثقافية والرياضية التي تدخل في إطار الممارسات الشعبية التي شهدت فيما مضى وإلى عهد قريب تطورا كبيرا من حيث عدد المحترفين وكذا الهواة الممارسين .. غير أن  هذا القطاع  الذي يقال عنه أن في مجاله تتسع الرؤية وتضيق العبارة شهد تراجعًا في السنوات الأخيرة نتيجة للتطورات البيئية والثقافية والقانونية..

 كما أنه وللأسف الشديد فقد تغير واقعه الذي ضاق بقدر المخزون الموروث عنه .. فبات في تعداد طيات الجيولوجيا الإنسانية التي أعادت إنتاجه في اختزال شحيح.

وعلى هذا الأساس، فإننا سنحاول من خلال هذا المقال أن نوضح أبرز التحديات والمشاكل التي تواجه عمليات القنص في بلادنا، مع استشراف مستقبل هذه الهواية في ظل الظروف الراهنة .. والتي تستدعي إيجاد حلول عاجلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.

رضا اكحيشة

إن الحديث عن ممارسة هواية القنص هو حديث عن نشاط ترفيهي وهواية كريمة معطاء كانت ومازالت ترفد الإنسان بزاد لا ينتهي وتسقيه من نفحات الطبيعة المكتنزة بالخير الوفير..

فحينما كان الإنسان فيما مضى يمشي في دروب هذه الهواية الراقية وبين مراعيها كان يجد نفسه أنه ينتقل بين دفات الجنان الفريدة وعجائب الحكايات الأسطورية وساحات الخيال الأزلي

لكن بعد ذلك وإلى وقت جد قريب بدأنا نشاهد غير ذلك إذ تحول مشهد هذه الهواية تدريجيًا إلى مرتبة الاضمحلال وربما إلى مرحلة الانهيار التدريجي، حيث باتت سماء القنص التي كانت مفعمة بالحيوية ذات يوم تبدو قاتمة وضبابية، إذ لم يعد يجد القناص فيها شبح الوحيش بتلك الكثرة التي كان يعهدها، فما يمكن لهذا القناص ملاقاته أو بما صح تسميته أن يخطئ في اعتباره توهجًا شبحيًا (…) هي تلك الطرائد القليلة التي أصبح خروجها محتشما.. خصوصا بعدما أصبحت الوديان والجبال والغابات غير مضيافة للزوار من عوالم هواة الصيد التي أخذت تضيع عواء مواكبها في النغمات المتنافرة للطرق السريعة والصخب الهائل للمدن الآهلة.

ومهما كان التفسير الذي يقدمه المرء في التحول الخطير في مجال القنص فإن هناك عدة أشياء مؤكد أدت إلى تلك الاضطرابات في القطاع الذي ارتبط في كثير من الأحيان بصورة “التقاليد”..

ولعلنا نستحضر هنا العامل الطبيعي أو البيئي باعتباره الإطار الذي تمارس فيه هذه الهواية، ويمكن أن نقول فيه أنه سببا من الأسباب الرئيسية في تقلص نسبه الوحيش الذي تأثر بشكل واضح بسبب التغيرات المناخية المستمرة ناهيك عن السلوك البشري الذي ما فتئ يستخدم طبيعته وبيئته بشكل سلبي، فبسبب هذه العوامل إذا تراجعت أعداد الحيوانات(الوحيش) المستهدفة للصيد بشكل كبير، مما يشكل تحديًا واضحا لهواية الصيد البري في المغرب.

هناك جانب آخر، وهو الجانب السلوكي والثقافي الذي أثر في القطاع تأثرا كبيرا بحيث بدأنا نلاحظ في السنوات الأخيرة تغير واضح في إدراك الوعي العام حول القنص البري والحفاظ على التنوع البيولوجي، فأضحت المؤسسات الوصية تعمل على تشديد القوانين المتعلقة بالقنص وحماية الحياة البرية قصد تأطير ممارسي الهواية.. بيد أنه على مستوى المجتمع فيمكن أن نرى سلوكيات توضح بشكل واضح تراجع الوعي البيئي في غياب أيضا الحملات التوعوية لحماية الحياة البرية..

من ناحية أخرى نجد العامل القانوني حيث الحاجة أصبحت ملحة لتقييد ممارسة الصيد البري عن طريق إصدار تشريعات وقوانين جديدة لضمان الاستدامة والحفاظ على التوازن البيئي، مع فرض عقوبات على المخالفين غير الملتزمين بالقوانين الصادرة عن المؤسسات الوصية. وذلك في ظل انتشار ظاهرة القنص العشوائي.

أخيرا فإنه من المرجح أن يتجه مستقبل القنص في المغرب نحو  الخطر إذا لم يتم العمل على الوعي بالأثر البيئي والحفاظ على الحياة البرية بين كل الأطراف المعنية، وعبر إشراك فعلي لكل المتدخلين لإصلاح الخلل القائم، لأن الظرفية الحالية هي عبارة عن محطة مفصلية في مسألة الإصلاح العاجل، بحيث ستكون هناك حاجة لتعزيز التوعية البيئية وتطوير استراتيجياتها المتعددة للحد من القنص الجائر المهدد للحياة البرية.. كما أن الحاجة تفرض أيضا تعزيز أنشطة البحث والتعليم في هذا المجال لتأكيد التفهم والمشاركة في حماية الحياة البرية.

غير أن ضمان مستقبل القنص نحو واقع أفضل لن يكون إلا باليقظة والحرص على تدعيم المكتسبات والحفاظ على الثروة الحيوانية وإحاطتها بكافة الإجراءات لضمان استغلالها استغلالا مستديما، والذي يتطلب من الجميع مهنيين وفاعلين اقتصاديين وإداريين المزيد من التجند والعمل المثمر في جو من التعاون والتنسيق والحوار المستمر للسير بهذا القطاع قدما وبخطى ثابتة نحو الأفضل .. بمعنى أن ذلك يتطلب الحفاظ على التوازن البيئي بشكل معقلن، وفي احترام تام لمختلف القوانين التي تنظم ممارسة هواية القنص لحماية الحياة البرية.. هذا بالإضافة إلى توحيد استراتيجيات العمل بين كل الأطراف المعنية  للتنمية المستدامة والحفاظ على التنوع البيولوجي لضمان استمرار هواية القنص البري في المغرب نحو مستقبل أفضل..

عن admin

شاهد أيضاً

الاحتفال بعيد الشغل في ظل التحول التكنولوجي

بقلم : عبده حقي. بينما يستعد العالم للاحتفال بعيد الشغل يوم الأربعاء 1 مايو 2024، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *