
بقلم يوسف أبعوز : أستاذ التعليم الثانوي، باحث بسلك الدكتوراه
لم تسلم المدرسة العمومية في المغرب منذ الاستقلال من “المناوشات” التي ستظل قائمة، على اعتبار أن الجميع يدرك بأن الفضاء المدرسي هو وحده القادر على صناعة نوع الإنسان الذي نريد، ويضاف لذلك استمرار الأزمة التعليمية ببلادنا في تجذرها واستفحالها، وذلك في غياب الإرادة والطموح السياسي الفاعل لمعالجة مختلف الإشكاليات التي تتقاطع في ثناياها، صانعة مشهدا يعطي الدليل على أن واقع التنمية المتأخر للبلد بأكمله إنما هو من واقع المدرسة المتعثر. هذا الأخير يحمل في ثناياه المتناقضات التي تستحيل في غيره، فبينما يتم الحديث بشكل دائم عن الإصلاح، تستمر مظاهر الأزمة، بل تتخذ أبعادا أكبر وأشمل مع مرور الزمن، لتستدعي طرح الأسئلة الكبرى عن المقاصد والدواعي والمآلات، دون أن تجد الجواب الشافي في كل المناظرات التي عقدت، واللجان التي أحدثت، والوثائق التي أصدرت، والهئيات التي أسست… ليعجز اللاحق عن أن يجُبّ السابق أو يستدرك نواقصه حذفا أو إضافة في المكونات أو الآليات أو غيرها. بل إنه، وكلما أثير موضوع الإصلاح إلا وأثيرت الملفات العالقة في تفاصيل يتم تجاوزها عمدا والقفز عليها في الغالب لدواعي كثيرة، لتزداد المواجهة بين عمليات قسرية تحت مسمى الإصلاح أو هي الترميم، ومقاومة من عناصر الأزمة أو التأزيم؛ وليتأكد لدى الجميع بأننا أمام أزمة بنيوية مزمنة مركبة، تراكمت قضاياها عبر الزمن المغربي الذي سجل فرصا سانحة لم تستغل على الوجه الأنسب، فكانت النتيجة هدر الزمن السياسي واستمرار حالة التردي الاقتصادي والإجتماعي بنسب مؤثرة على الصورة العامة، رغم جهود تبذل في مناحي أخرى. ويزداد وضع التعليم تأزما، في يومنا هذا، رغم رفع شعار الدولة الإجتماعية التي يفترض فيها أن تكون شاملة لكل القطاعات الاجتماعية من حيث قراءتها وتحليلها، وفي أجوبتها وحلولها.
1- أبعاد الأزمة في قطاع التعليم:
*البعد السياسي: ويتمثل منطلقا في فوقية التوافقات منذ البدايات؛ ومن ذلك أن إرساء أسس النظام التعليمي المغربي الجديد لم يحظ بما يكفي من التداول بين مختلف مكونات المجتمع المغربي منذ بداية الاستقلال، اللهم بين أولئك الفرقاء السياسيين الذين غاب الإنسجام عنهم، وغابت حينذاك، في الغالب، الآلية الديمقراطية في اتخاذ القرارات المصيرية للمغرب الحديث؛ كما أن الإصلاحات تمت بعيدا عن النقاش العمومي المستفيض، إذا استثنينا النقاش الذي يحدث في دوائر ضيقة بين عدد قليل من أعضاء المجالس التمثيلية التي تظل غير معبرة بالضرورة عن النسيج المجتمعي بشكل حقيقي؛ بل إن إشراك بعض القوى في مجموعة من المحطات كان يتخذ صبغة شكلية، أو ينتهي بإلغاء مخرجات اللجنة أو اللقاء، أو بحل المؤسسة، ومثالا في ذلك رفض الملك الراحل لما أقرته اللجنة التي تشكلت سنة 1994م. وتعبيرا عن حالة عدم الرضى عن القطاع ومكوناته، تم اعتبار التعليم قطاعا غير منتج بداية من 1983م، يضاف إلى ذلك اتخاذ الدولة موقفا من العاملين في قطاع التعليم معتبرة ما يقوم به البعض من تأطير سياسي أو”تسييس” للفعل النقابي يتم خارج القانون ويهدد الإستقرار والأمن العام(أحداث يوليوز 1963م-أحداث مارس 1965م- أضرابات 1981م- و1984م).
*البعد المالي: لا يمكن أن نتصور تنمية للمجتمع من غير نظام تعليمي قادر على بناء وتطوير مختلف أبعاد شخصية الفرد؛ ويعد هذا أولوية في بلورة تصور عن التوازنات المالية للدولة؛ لكن التخلي عن توفير شروط إنجاح المدرسة بدواعي مالية، أمر ذو تأثير بالغ في مستوى أداء المنظومة. وتتمثل الخطوط العريضة للسياسة المالية في التعليم بتبني التقشف في التدبير المالي لشؤون القطاع، والاتجاه باندفاع نحو تسليع متدرج للخدمة التربوية عبر سياسة الخوصصة؛ فبإعلان الوزير بنهيمة سنة 1966م على “ضرورة تقييد قاعدة التعليم من الأساس”، سار مبدأ الحد من النفقات أساسيا في التعامل مع التربية والتعليم إلى يومنا هذا، ليتضح ذلك جليا في تدخل صندوق النقد الدولي في السياسة التعليمية بداية من سنة 1981م، وصدور مرسوم فرض الرسوم على من يتجاوز سبع سنوات في التعليم الابتدائي سنة 1983م، والحد من المنح في التعليم العالي، وكذا من المنح للدراسة في الخارج، وتشجيع التعليم الخاص بداية من سنة 1985م، وصولا إلى ما أقره الميثاق الوطني للتربية والتكوين الذي أجهز على المجانية…
* البعد الاجتماعي: في هذا السياق يطرح سؤال دور المدرسة في المجتمع، وكذا الغايات التي تشتغل عليها؛ فقد صرنا اليوم أمام تحول كبير عبر عنه الخطاب الرسمي في الحاجة إلى الإقتصار على غايات للمدرسة حصرت في إتقان القراءة والكتابة والحساب لدى المتعلمين والمتعلمات، وتكوين كفايات تُدمج في سوق الشغل، فهل هو الأقصاء في صورة أقل حدة؟
لقد كان الهدف الأول للتعليم المغربي لدى الحصول على الاستقلال هو توفير الأطر والكفاءات المغربية القادرة على تسيير شؤون البلاد بعد الفراغ الذي تركه المستعمر في عدة قطاعات، فكان الإقبال على التمدرس كبيرا، وهو ما أتاح لعدة مكونات مجتمعية من أوساط مختلفة المساهمة في بناء الدولة المغربية الحديثة، كما مكنها من الترقي في السلم الاجتماعي وتغيير نمط الحياة ومستوى المعيشة، وكأن الأمر تم في غفلة من جهات ما، فكرت لاحقا في استعادة المبادرة لفرملة الدور الاجتماعي للمدرسة العمومية.
وأمام المتغيرات وظهور الحاجة إلى مؤهلات جديدة في العنصر البشري تحقيقا للتنمية المنشودة وفق منظور تغير بتغير الاختيارات الكبرى للبلاد، كان لزاما مسايرة المتغيرات الاقتصادية والإجتماعية وكذا السياسية، فاتسع الاهتمام بتنويع العرض المدرسي، ومن ذلك التركيز على التعليم التقني والمهني، ومثالا على ذلك تم إحداث الباكالوريا التقنية سنة 1971م، وكذا إدارة التكوين المهني سنة 1985م. ليسجل التعليم المغربي تنوعا في المسالك، وتعددا للشعب بما مكن من فتح آفاق كبيرة أمام أعداد مهمة من المتمدرسين خصوصا بالتعليم الثانوي التأهيلي فالجامعي، إلا أن الأعداد التي تتمكن من التلاميذ من الوصول إلى السنة الختامية من الباكالوريا أقل بكثير من الأعداد التي تحتضنها المدارس الابتدائية فالإعدادية، بما يعني أن النظام التعليمي يمارس نوعا من الإقصاء في حق أعداد كبيرة من المتمدرسين الذين ولجوا إليه، مما ينتج نسبا جد مرتفعة من المغادرين للمدرسة بدون أي وجهة ومن دون أن يكونوا قد استكملوا الحد الأدنى من شروط الاندماج في سوق الشغل؛ أما نسبة أخرى فهي تتجه، تارة طوعا، وتارات أخرى كرها، إلى مجالات موازية للمدرسة للتكوين في تخصصات مهنية جد محدودة الأفق. وهكذا تكون المدرسة قد أعادت إنتاج واقع اجتماعي متأزم لدى فئات واسعة من الأفراد بدل أن تكون آلية للاندماج لجميع الأفراد في الحياة الاقتصادية والإجتماعية بسلاسة. وأمام الضعف البيّن للمستوى الدراسي للمتمدرسين، بفعل ظروف التمدرس في مختلف الأوساط لدى الكثير من الفئات الاجتماعية في المجالين القروي والحضري، تظل المخرجات دون الإنتظارات، ومعها يستمر المستوى المعيشي المتواضع لدى هؤلاء لتستمر الفوارق الطبقية الصارخة.
2- قراءة موجزة في تاريخ الإصلاحات:
-حكَم الإصلاحات في قطاع التعليم مجموعة من الحقائق، هي كما يلي:
*الإقرار بالحاجة إلى الإصلاح: وذلك لتجاوز المخلفات الاستعمارية من جهة، سواء على مستوى قطاع التعليم ذاته، أو في مختلف مناحي الحياة العامة السياسية والإقتصادية والإجتماعية جراء النهج الإستغلالي للبلاد، وتبني فكرة الإستعمار الإدماجي؛ ومن جهة أخرى لمسايرة المتغيرات المتسمة بالإستمرار في الوسط المجتمعي، والمحيط الخارجي المتحرك بقوة، والذي لا يتوانى في الضغط على المغرب لاعتبارات جيوستراتيجية استلزمت الإنفتاح على مختلف القوى الفاعلة في الساحة الدولية؛ فمنذ 1957م إلى يومنا هذا شكلت الكثير من اللجان (اللجنة الملكية 1958-1959م)، وأحدثت المؤسسات (المجلس الأعلى للتعليم 1961م-1970م-2006م)، ونظمت المناظرات(مناظرة المعمورة 1964م- مناظرة إفران1970-1980)، وأصدرت الوثائق(الميثاق الوطني للتربية والتكوين1999م-الرؤية الإستراتيجية2015م)، وسنت القوانين(القانون الإطار2019م)، حيث اعتبر التعليم الأولوية الثانية بعد الوحدة الترابية للمملكة.
*الاضطرار إلى الإصلاح: خصوصا في ظل الأزمة المالية، وتبني فكرة التعليم غير المنتج؛
استشعرت الدولة المغربية كلفة التعليم المرتفعة مبكرا، فكان اللجوء لأول قرض خارجي لتمويل ميزانية القطاع منذ 21أكتوبر 1965م، بما قيمته 7.3 مليون دولار، كما تم اللجوء إلى إجراءات متعددة للحد من حجم الإنفاق الحكومي، إلى أن تم تبني سياسة التقويم الهيكلي بتوصية من صندوق النقد الدولي، والذي يضغط حين لا يحصل الإجماع داخليا على المقاس؛ لتنطلق سلسلة من الإجراءات التي اتجهت إلى الخوصصة لمختلف عناصر المنظومة، والعمل على إقرار مبدأ تنويع التمويل، وفتح الباب أمام إسهام الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين والمؤسسات الترابية في تدبير الشأن التربوي. وفي كل مرة تصدر فيها التقارير الدولية والوطنية بشأن الوضعية المميزة للمنظومة التعليمية، ترتفع الأصوات المطالبة بالإصلاح سواء من داخل المؤسسات الدستورية الحاكمة أو من خارجها، وإن اختلفت وجهات النظر بشأن دلالة ذلك ومقاصده.
* الإصرار على “احتواء” المدرسة من قبل السلطة: لا شك أن التعليم يشكل القطاع الحيوي في بناء الإنسان وجعله فكرا وسلوكا يتميز بخصوصيات هوياتية محددة؛ ولدواعي سياسية يجسدها استثمار بعض التيارات السياسية والفكرية للمدرسة والجامعة لمعارضة النظام السياسي القائم عبر تشكيل فكر الأجيال الصاعدة والتأثير على قناعاتها، فقد عملت السلطة السياسية في المغرب على التحكم ما أمكن من الفضاءين المدرسي والجامعي، خصوصا بعد العديد من الأحداث السياسية التي اعتبر الجسم التعليمي فاعلا رئيسيا فيها؛ ومن المؤشرات في ذلك تعيين وزراء من خارج الأحزاب السياسية لتولي منصب الوزارة، و التراجع عن قرارات كبرى كما حصل في التخلي عن المبادئ الثلاثة(التوحيد، التعميم ، المغربة) في المخطط الثلاثي 1965-1967م والعودة إلى الازدواجية سنة 1966م؛ كما يظهر في تشكيل اللجان على المقاس في غالب الأحيان، ورفض مخرجات بعضها كما حصل مع لجنة 1957م وتعويضها بلجنة 1958م، الأمر الذي تكرر مع لجنة 1994م وتعيين أخرى بديلة عنها في 1995م؛ ناهيك عن إصدار القوانين والقرارات والدوريات(إحداث شعبة الدراسات الإسلامية سنة 1980م، صدور الدورية الثلاثية لسنة 1997م)، التي كان لها الأثر البالغ في ضبط القطاع التعليمي إلى حد كبير.
3-مواقف الفاعلين من أزمة التعليم:
*موقف المنخرط في سيرورة الإصلاح: في مقدمة المنخرطين تأتي السلطة السياسية بكل أبعادها، وتأتي بعد ذلك بعض الجهات إيمانا منها بالولاء المطلق كما في حالة التكنوقراط؛ إلى جانب أطراف أخرى تبنت الإصلاحات واعتبرت جزءا منها منذ الاستقلال تنفيذا لتصوراتها، أو أملا في التأثير من داخل المنظومة لدى كما في حالة بعض الأحزاب السياسية إبان تحملها للمسؤولية الحكومية في مستويات قد تختلف من فترة لأخرى، كما هو الشأن بالنسبة لحزب الاستقلال وحزب العدالة والتنمية،
*موقف الرافض للإنخراط في الإصلاحات: بحكم الموقف من النظام السياسي برمته، وهي حالة بعض التنظيمات الإسلامية واليسارية الراديكالية؛ فهؤلاء يرون في النظام التعليمي قناة رسمية لتصريف المواقف السياسية وكذا السياسات الاجتماعية والإقتصادية، لاقتناعهم بأن التربية سياسة تمارس بلغة البيداغوجيا، والسياسة تربية تمارس بلغة الإيديولوجيا؛ ونظرا لتحكم السلطة القائمة في دواليب الدولة، فلا مجال بالنسبة لهم لإبداء الرأي، وتشارك الأفكار، وتبني البرامج، واتخاذ القرارات التربوية والتكوينية. لذا فالمدخل لإصلاح النظام التعليمي سياسي بالدرجة الأولى.
*موقف المراقب والمتابع للوضع: تحتفظ بعض الأطراف في المشهد السياسي بمواقفها من السياسات التعليمية، لغياب المشروع البديل كما في حالة بعض الأحزاب التي لا يتعدى حضورها في الساحة الفترات الانتخابية؛ وينطبق هذا الوضع على بعض الشخصيات الأكاديمية والبحثية المتخصصة التي تنأى بنفسها عن المساهمة في النقاش العام إلا من خلال إصدارات لا تجد فيها رائحة للمواقف من القرارات في القطاع التعليمي، وتسهم بشكل أو بآخر في النقاش العام بحذر، دون أن تكون لها تلك القوة الاقتراحية الملزمة نظرا لغياب المأسسة. وقد تزايد عدد هؤلاء بفعل ما أصاب الحقل السياسي من حالات التبخيس وانتشار ثقافة التيئيس وتجذر العدمية، وكلها أدواء قاتلة لجهود المبادرين.
4– المقاربات المعتمدة في الإصلاح:
*الكمية بدل النوعية: كانت بداية عهد الإستقلال قد سجلت إقبالا كبيرا على التعليم الرسمي المغربي كنتيجة لما كان يواجهه عموم المغاربة في المرحلة الإستعمارية من إقصاء. ولقد استمر التدفق على المدرسة العمومية لاحقا نتيجة التزايد السكاني، خصوصا في الوسط الحضري، في ظل المتغيرات المجالية الكبرى التي تواصلت ببلادنا. ونتيجة العدد الكبير للمقبلين على التمدرس، في مختلف المستويات، كان لزاما الإستجابة من حيث عدد الأطر والمدارس والتجهيزات وغير ذلك؛ ولأن القدرة على الاستيعاب كانت محدودة، تحت ذريعة ضعف عجلة الاقتصاد، والتفاوت الكبير بين النمو السكاني والإقتصادي، سيتم بداية من المخطط الثلاثي 1965-1967 تسجيل عدة تراجعات، بفعل تقليص الميزانية، إذ تم الإقتصار على تغطية بعض المجالات الجغرافية دون أخرى، وعلى توفير الحد الادنى من الشروط، فانعكس ذلك على التعميم وجودة التعلمات، فارتفعت نسب الهدر المدرسي أكثر مع مرور السنوات، كما صار أغلب المتمدرسين بمستويات تعليمية منخفضة تؤكده الدراسات المنجزة وطنيا ودوليا.
*البيداغوجية: لم تعرف المقاربات البيداغوجية التي تم اعتمادها في المدرسة المغربية استقرارا على حال، وذلك ليس من زاوية الملاءمة والتجديد، المفترض تبنيه باستمرار، نظرا للإنتاج وللحركية الكبيرة التي يعرفها الحقل التربوي على الصعيد العالمي، ولكن تحت تأثير غياب الرؤية الواضحة فقد صار التعدد والتأرجح سمتين غالبتين على الحقل التربوي؛ فتنوعت المرجعيات بين تبني المدرسة السلوكية، والبنائية، والوظيفية، والجشطلتية، والتحليلية، والإنسانية، والمعرفية… ومن تبني بيداغوجيا الأهداف، وبيداغوجيا الإدماج، ثم بيداغوجيا الكفايات،… وكل ذلك في وسط مدرسي في معظمه فاقد لشروط التطبيق لأي من النظريات أو البيداغوجيات. أما من حيث الاختيارات اللغوية فقد كانت المسألة أكثر تعقيدا إذ انتقلت المنظومة من التعليم المفرنس إلى التعريب إلى الازدواجية، فالتعدد اللغوي كما استقرت على ذلك الوثائق الرسمية على رأسها القانون الإطار.
*الضبطية: ارتبط قطاع التعليم ولسنوات طوال بقضايا الشأن العام الوطني، فاعلا في بعض الأحيان، ومنفعلا أحيانا أخرى، إلى درجة أن أطر المدرسة المغربية في بعض مراحل تاريخ المغرب الراهن كانوا تحت المجهر الرسمي باستمرار. ويعزى ذلك إلى ارتفاع منسوب الوعي السياسي في صفوف الطبقة العاملة في القطاع، حتى أن أغلب المؤسسين للأحزاب السياسية المغربية والهيئات النقابية والفاعلين في العمل الجمعوي بكل مجالات اهتمامه من الأساتذة والأستاذات. فمباشرة بعد الإستقلال كان القطاع مجالا للسجال، وأحيانا يرتفع منسوب التوتر ليصل للعنف السياسي بين مختلف القوى السياسية، وبين بعضها وبين الدولة، استدعت من هذه الأخيرة وأجهزتها المختلفة تبني المقاربة الأمنية، بشكل أو بآخر، إما عبر المقررات الدراسية أو من خلال الزمن المدرسي أو عبر الإنتقاء في شغل المهام… وفي عدة حالات عن طريق المتابعات القضائية التي ظلت شاهدا على فترة سوداء من تاريخ التدافع السياسي بالمغرب؛ غاية الدولة في ذلك كله حفظ التوازنات داخل المجال العام، وفي التعليم على وجه الخصوص، لاتهامه بتفريخ المعارضين وتحريض بقية الفئات بما في ذلك المتمدرسين(الحركة التلاميذية)، (أحداث 1965م، 1983م)…
*المالية: لا تولي العديد من الجهات السياسية الإهتمام الكافي بالمدرسة العمومية، إلا من خلال خطاب استهلاكي يستغل غفلة أغلب الناس عن حقيقة السياسات العمومية ذات الطبيعة الاجتماعية، لابتعادهم عن السياسة أو لضعف التأطير السياسي للفاعلين في الميدان. ولأن أغلب من يلج المدرسة العمومية من عموم المواطنين من الاوساط الهشة بالبوادي وهوامش الحواضر إلا فيما ندر، بينما أفراد النخبة المغربية في العقود الأخيرة صاروا يفضلون تمدرس أبنائهم في البعثات الاجنبية أو في القطاع المغربي الخاص، يضاف لذلك أن أغلب الأطر التي تتجه للإشتغال في قطاع التعليم هم منحدرون من أوساط اجتماعية إما هشة أو من أبناء الطبقة المتوسطة، فإن استنزاف التعليم العمومي لميزانية الدولة أمر غير ذي جدوى، بل إن تكاليف تمدرس المواطنين يعتبرها أصحاب النظرة الضيقة كلفة إضافية تقع على عواتقهم عبر الضرائب التي يؤدونها للدولة، وهذا ما يفسر طبيعة القرارات المالية، بشأن القطاع التربوي، والتي تنص عليها مشاريع قوانين المالية سنويا. فسياسة التقشف على التعليم كانت قد بدأت بشكل كبير في برنامج التقويم الهيكلي، أما الإقتراض من أجل التعليم فكانت الإنطلاقة سنة 1965م بما قيمته 7.3مليون دولار، وصولا إلى إقرار الميثاق الوطني للتربية والتكوين القاضي بضرورة مساهمة الأسر في التمويل سواء عبر رسوم التسجيل أو أداء واجب التمدرس، فضلا عن دعم القطاع الخاص ضريبيا، وتمكينه من الأطر، التي تخضع للتكوين على نفقة الدولة، عبر فصل التكوين عن التوظيف. ورغم ضخامة بعض الميزانيات التي رصدت في بعض المشاريع الإصلاحية (البرنامج الإستعجالي 2009-2012م)، فإن حجم الفساد في قطاع التعليم الذي لا يزال موضوعا يلزم إيلاءه العناية الكافية عبر تفعيل المبدأ الدستوري القائل بـ “ربط المسؤولية بالمحاسبة”.
خلصت مخرجات المدرسة المغربية منذ الإستقلال إلى العديد من المؤشرات السلبية، يشهد عليها الداخل والخارج عبر التقارير المنجزة، سواء من حيث عدد الخريجين العاطلين عن العمل والذين يجدون صعوبة في الإندماج الاقتصادي والإجتماعي، ونسب التسرب الدراسي الذي مس أعدادا هائلة ممن تقل أعمارهم عن الخامسة عشر من العمر كما تشير إلى ذلك الإحصائيات؛ ناهيك عن مستوى التعلمات لدى نسبة جد مرتفعة من المتعلمين والمتعلمات. أما أولئك الذين لم يجدوا لأنفسهم مكانا في المدرسة، فعددهم كبير، رغم ما يبذل من جهود في سبيل التعميم. ومن حيث البنيات والتجهيزات، فالمؤسسات التربوية تشهد اكتظاظا بالمتعلمين وازدواجية أو تعددا للمستويات الدراسية في نفس الحصة بمؤسسات تعد من أفقر الفضاءات لشروط العمل في كثير من التخصصات وخصوصا العلمية والتطبيقية منها، حيث الإفتقار إلى الوسائل الديداكتيكية وغيرها من مستلزمات العمل داخل الفصول الدراسية؛ دون أن نخوض في الشروط العامة التي تحيط بالفضاءات التربوية على مستوى أبسط الخدمات لفائدة المتعلمين والمتعلمات. كما خلفت السياسة التعليمية ملفات كثيرة في صفوف الأسرة التربوية، ذلك أن التعديلات القانونية في الأنظمة الأساسية غالبا ما تخلف ضحايا بالآلاف، ناهيك عن الحيف الذي يطال العديد من الأطر في شروط الولوج إلى معاهد ومراكز لتخصصات ومهام محددة. ولعل التوظيف بالتعاقد أكثر القضايا إثارة في المدرسة المغربية، ذلك أنه أسس للهشاشة الوظيفية وخلف أعدادا من الأطر خارج الوظيفة العمومية، مما أشر لمرحلة جديدة في تخلي الدولة عن التعليم العمومي، ليقوم النظام الأساسي لموظفي وزارة التربية الوطنية 2023م بمواصلة السيرورة نحو الخوصصة الكاملة للقطاع التعليمي.
5-مداخل الإصلاح الحقيقي المنشود:
إن إصلاح التعليم ببلادنا اليوم يفرض نفسه أكثر من أي وقت مضى، في ظل الأزمة التي عبرت عن وجودها كل الأطراف، بما في ذلك الرسمية منها؛ لكن المنظور الذي يعتمده القائمون على الشأن العام لا يمكن معه الوصول إلى المبتغى مما تنتظره فئات عريضة من الفاعلين في الميدان التربوي والتعليمي، مدعومين بالرأي العام الوطني الذي استشعر خطورة ما يحاك ضد المدرسة العمومية، وما يتربص بها من مخططات قد توصلنا إلى الفشل التام، في سياق اجتماعي يزداد هشاشة يوما بعد يوم، بفعل السياسات العمومية الممعنة في تبني شعار “قليل من الدولة”، تنفيذا لقواعد النيوليبرالية التي لا تولي اهتماما لعموم الفئات الإجتماعية متذرعة بذرائع لا يقبل بها أكثر الناس تفاؤلا بالحرية المطلقة، في ظل غياب المساواة وتكافئ الفرص بين الجميع باعتبارها قيم تصنف ضمن بديهيات التعاقدات المجتمعية.
*على المستوى الدستوري:
يقتضي الإصلاح الحقيقي لمنظومة التربية الوطنية العودة إلى الوثيقة الدستورية للوقوف على مجمل النصوص التي لها ارتباط بالمسألة التعليمية، وفي مقدمتها اختيارات البلاد كما في الفصل الأول، حيث التنصيص على الطبيعة الديمقراطية والإجتماعية للنظام السياسي ببلادنا، مما يلزم الإشتغال الفعلي والجدي على تفعيل وأجرأة هذه الخصائص في مختلف مناحي الحياة العامة، ومن ضمنها القطاعات الاجتماعية، وعلى رأسها قطاع التربية الوطنية. فالطبيعة الديمقراطية للدولة تتجلى في أمرين اثنين على الأقل، أولهما ضرورة تبني الديمقراطية التشاركية وبشكل موسع لصياغة مرجعية واضحة للمدرسة المغربية في أطار مشروع مجتمعي ينطلق من طبيعة المجتمع المغربي ويأخذ بعين الإعتبار للسياق العام الوطني والدولي؛ أما الثاني فيتجلى في وجوب ضمان الدولة لحق الجميع، وبنفس الشروط، وذات الضوابط الناظمة، ووحدة الإطار المؤسساتي، للحق في التعلم على قدم المساواة أمام أبناء المجتمع المغربي بعيدا عن أي معيار يتيح الإمتياز لهذا الطرف أو ذاك؛ وهو ما دعت إليه بعض الفصول من الدستور والتي تناولت الحق في التعلم وما يرتبط به من حقوق في الفصول 25 و26و 31 و33، وأخرى جعلت الجميع مسؤولا أمام المساهمة في تنمية البلاد كما في الفصلين 39و40.
*على مستوى السياسات العامة:
ولأن مشروع الدولة الاجتماعية، اليوم، حاضر بقوة في المشهد السياسي والإعلامي بصورة لم يسبق لها مثيل، فلا مناص من القول بأن العمل على تحقيق هذه الغاية المنشودة لا يمكن أن يجد سبيلا إلى التأثير الحقيقي في واقع الناس، حفاظا على التوازنات الاجتماعية، ومنها إلى الاستقرار السياسي، سوى من خلال التخلي عن السياسات النيوليبرالية التي تخدم الأقلية، واعتماد مقاربة شمولية تتجاوز النظرة الضيقة التي تنحصر في البعدين التقني والمالي، معها قد يحكم على بعض الإجراءات بالظرفية لمحدودية أثرها في المعالجة لعمق القضايا، ولنظرتها التجزيئية للأوضاع المتداخلة في الواقع، ولحجم الإشكالات المتراكمة في مساطر التدبير، وانصراف تركيزها إلى المظاهر بشكل فج يؤجل كل أشكال التوتر المحتملة نتيجة ذلك.
إن المؤسسات الدستورية بالبلاد مدعوة، أكثر من أي وقت مضى، لتحقيق التناغم والإنسجام في مشروع مجتمعي تلتقي وتتكامل فيه الإستراتيجيات والبرامج، لتترجم فلسفة تؤكد على الإرادة السياسية في الحفاظ على دور الدولة الرئيسي في صياغة وتتبع وتقييم وتقويم السياسات العامة بشكل ممأسس، تجعل الفرد في صلب الاهتمام، لتمنحه كل ضمانات التمتع بالحقوق الدستورية على قدم المساواة أيا كان وضعه، مع الأخذ بعين الإعتبار الخصوصيات المميزة لبعض الفئات، ولو بشكل مرحلي، مع ضرورة تحقيق انخراط فئات أخرى في التنمية عبر المشاركة المواطنة الفاعلة في شتى المجالات عبر ضمانات قانونية، ومن خلال تبني الدولة للدور التوزيعي للثروة عبر القانون والمؤسسات.
*على مستوى باقي الفاعلين السياسيين:
تتحمل الأحزاب السياسية والنقابات وغيرهما من الفاعلين في الساحة السياسية من الإعلام والجمعيات والمنتديات ومراكز الدراسات والابحاث، المسؤولية في الأوضاع التي آلت إليها المنظومة التعليمية ببلادنا، بصيغة أو بأخرى، وذلك للإعتبارات التالية:
*انخراط عدد منها في مسلسل الإصلاحات من غير أن تكون لها الشجاعة الكافية لدق ناقوس الخطر في مراحل معينة لدفع القرار السياسي في اتجاه إيقاف النزيف والحد من الإندحار نحو المجهول.
*عدم اكتراث أخرى بما تعرفه المدرسة العمومية من متغيرات سلبية حيث تتعرض الكثير من الحقوق الدستورية لتجاوزات يتراجع معها دور المدرسة الريادي في بناء المواطن القادر على المشاركة في البناء التنموي وضمان الإزدهار للبلاد، مما يسائل المؤسسات الوسيطة عن دورها في الدفاع عن المجتمع؛ ومع هذا الموقف يطرح سؤال جدوى الوجود في المشهد السياسي، في ظل غياب الموقف بأي صيغة كانت.
*استمرار الإعتراض على أي شكل من أشكال المشاركة الإتفاقية لبعض الفاعلين، والإكتفاء بالمشاركة غير الإتفاقية تجسدها المشاركة في الإضرابات والمساهمة في بناء بعض التنظيمات غير الدستورية الممثلة للفئات المحتجة في الساحة الوطنية، ومن خلال جمعيات المجتمع المدني، قصد ممارسة الضغط على مختلف الفاعلين في النسق الرسمي للتفاعل مع واقع المدرسة بشكل إيجابي؛ إلا أن كل هذه المواقف والأشكال ستظل دون أي اهتمام من لدن المسؤولين الرسميين إلا في حالات خاصة. لذلك فكل التنظيمات الفاعلة في الساحة السياسية المغربية مطالبة بالمشاركة الفاعلة عبر إبداء رأيها في المسألة التعليمية وتقديم مقترحاتها بما يمكن من تجاوز الأزمة البنيوية للمدرسة العمومية، من خلال إجراء الدراسات والأبحاث والمساهمة كقوة اقتراحية في بلورة السياسات العامة وتأطير المواطنين والمواطنات بهذا الشأن.
لا يمكن أن نتصور مجتمعا بدون مدرسة عمومية تقدم الخدمة على نطاق واسع للفئات العريضة من أبناء المجتمع، وخصوصا في ظل حجم التفاوتات الطبقية التي تتزايد يوما بعد يوم نتيجة الفلسفة المتبعة في التدبير للشأن العام منذ العقود الأخيرة من القرن الماضي. كما أن الخدمات الاجتماعية مجال لتأكيد ولإبراز حضور الدولة في المجتمع كفاعل كفيل لمصالحه الأساسية، بل إن بعض المرجعيات ترى في قيام الدولة بذلك تعبيرا عن وجودها الفعلي في حياة الناس. وإن حلول قطاع التعليم، ومعها باقي القطاعات الاجتماعية، تفرض منظورا شموليا مختلفا يصحح الإختلالات الكامنة في شتى المستويات ويقطع مع السياسات التي تمارس التقشف حيث تستثقل تكلفة الخدمة المباشرة للمجتمع، وتسعى لتجعل من هذه القطاعات مجالا للربح المادي، فاتجهت لتخليص الدولة من العبء الاجتماعي كما تدعي، وفي ذات الوقت تفتح للإستثمارات الخاصة، بغير رقابة فعلية وحقيقية، سوقا حيوية واسعة عبر تسليع الخدمة التربوية وجعل العاملين بالقطاع مستخدمين مؤقتين متعاقد معهم ويمكن الإستغناء عنهم في أي وقت أو تغييرهم لدواعي قد لا ترتبط بالضرورة بالمردودية وإنما بحجم التكلفة والأعباء التي تسعى عقلية المقاولة باستمرار للتقليل منها بقصد توسيع هامش الربح المادي، دون الأخذ بعين الإعتبار المصالح العامة للمجتمع ووضع فئاته الهشة التي لا تستطيع الولوج للخدمات الاجتماعية حتى في أدنى مستوياتها أحيانا، مما يحيلنا على فكرة تجعل من المدرسة أداة لإعادة بناء نفس البنيات الاجتماعية بعدما كانت وسيلة للرقي والترقي.
Azzaman الزمن