المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية بالرباط
يحتضن فعاليات النسخة السابعة من المؤتمر الدولي حول التراث المادي لما قبل العهد الروماني في الشمال الإفريقي
تحت عنوان:
“السكن والتمدين بإفريقيا الشمالية قبل الاحتلال الروماني”
المؤتمر وترسيخا لثقافة الاعتراف والوفاء عرف تكريم قامات مؤثرة في مجال التاريخ والتراث، ومن بينهم المؤرخ الكبير الدكتور “سعيد البوزيدي” من جامعة ابن طفيل..
عبدالإلاه البهلولي :
شهد مدرج الندوات بمقر المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية بالرباط صباح يوم الخميس 27 أبريل 2023 انطلاق فعاليات النسخة السابعة من المؤتمر الدولي حول التراث المادي لما قبل العهد الروماني في الشمال الإفريقي، تحت عنوان “السكن والتمدين بإفريقيا الشمالية قبل الاحتلال الروماني”، والذي يستمر على مدار ثلاثة أيام متتالية، بحيث يتضمن البرنامج العام لهذه الدورة ثلاث محاور، تم اقتراحها كما يلي: “التحكم في المجال القروي: السكن وأنماط عيش سكان البوادي”، و “ظاهرة التمدين: المصادر النصية والمادية المعتمدة، المقاربات التمدينية أو تصنيف المدن، البناء الماقبل الروماني (التقنيات، المواد، الزخرفة…)”، في حين يقارب المحور الثالث والأخير “مدى الاعتماد في الفترات اللاحقة بالعالم المتوسطي القديم على التراث النوميدي ـ الموري في ميدان التعمير والمعمار”.
الدورة هي من تنظيم المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، بشراكة مع جمعية ميديستون المغرب، وبتعاون مع عدة مؤسسات علمية وإدارية وطنية، وتروم ومقاربة خصوصيات ومميزات السكن والتمدين في إفريقيا الشمالية قبل الاحتلال الروماني، وكذا الوقوف على القضايا التي هيمنت على الافتراضات النظرية والمنهجية والمعطيات الأثرية، بما قد يفتح إمكاناتٍ لتأسيس أنثربولوجيا تتجاوز مجرد الاقتباس، ولتُنتج خطابًا وممارسة حقلية مميّزة تستوعب رهانات الإنسان بثقافة التمدين في الفترة الزمنية المعنية.

وفي هذا الصدد، فقد تناول عميد المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، أحمد بوكوس، في مجمل كلمته التي ألقاها بمناسبة اليوم الأول الافتتاحي أن الدراسات المتخصصة والتي تُعنى بالبحث والتطوير، لم تنكب بما فيه الكفاية على هذه الفترة التاريخية، لكن إنشاء المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث ـ يضيف بوكوس ـ قد ساهم إلى حد ما في تطور البحث في المجال، فبات هذا المعهد بكل ما يتميز به من إمكانات بشرية وتقنية أداة لإعادة تشكيل وبناء تراثنا الوطني”.
من جهة أخرى، فقد توافقت كلمة مدير المعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، عبد الجليل بوزوكار، وما صرح به الأستاذ ـ بوكوس ـ حيث أكد “بوزوكار” على أن المعهد بالفعل يولي أهمية كبيرة لهذه الفترة التاريخية من خلال البحث التي يقوم بها، وأنه يسعى لاستدعاء صور الواقعية في التكامل البحثي، والهدف ليس الرجوع للماضي وإنما لاستشراف المستقبل. وحول التركيبة البشرية والعمرانية في منطقة شمال إفريقيا قبل الاحتلال الروماني ـ يضيف بوزوكار ـ أنه بحديثنا عن المدينة فهذا يعني أننا نتحدث عن المدنية، وإن بناء الحضارات قرين بناء المدن، وأن الحضارة الرومانية لما سيطرت على الشمال الإفريقي، فإنها وجدت شعوبا ومجموعات بشرية كانت تتميز بتمدن وتحضر صارخ، ناهيك عن التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي شكلت عائقا كبيرا للرومان في كثير من الأحيان.

وبدورهم، فقد أبرزت العديد من الوجوه المرتبطة بالمجال، من خلال تدخلاتهم القيمة العديد من الآراء والتي كانت مجملها تسير في منحى واحد وهو أن المؤتمر الدولي هذا يعد مناسبة مواتية للتعريف بمرحلة مهمة من مراحل تاريخنا، ذلك التاريخ الذي واجه فيه الانسان المغاربي مبكرا إشكالية التحكم في مجاله الحيوي الذي يشكل السكن إحدى مكوناته الرئيسية، كما تضمنت هذه المداخلات ادلة علمية على الترابط المتين والمشترك الثقافي الجلي والامتداد التاريخي للتراث المادي كمكون أساسي من مكونات التراث الشمال إفريقي، لذا حث هؤلاء الأساتذة الى إيلاء الاهتمام لهذا التراث الذي يزخر به مجال الشمال إفريقي وبذل مجهودات أكبر في البحث والدراسة، وأيضا محاولة التصدي لكل الاخطار المحدقة بهذا التراث العريق الذي يجب صيانته وحمايته وفق الاليات المخطط لها.
هذا، ومن بين الفقرات المهمة والراقية التي شهدها اليوم الأول من المؤتمر، والتي لاقت استحسان كل الحاضرين، فقرة تكريم ثلاثة أساتذة تم الإفصاح عن أسمائهم، تحت وابل من تصفيقات الحضور، ويتعلق الأمر بالأستاذ علوي عبدالله، وحسن ليمان أستاذان بالمعهد الوطني لعلوم الآثار والتراث، والأستاذ سعيد البوزيدي أستاذ بكلية العلوم الانسانية والاجتماعية بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة . هذا الأخير الذي جاء حفل تكريمه هذا بحق ترسيخا لثقافة الاعتراف والوفاء له، وتقديرا لما قدمه هذا الأستاذ الكبير، من خلال خدماته الجليلة كأستاذ وكباحث وكمدير لمختبر التاريخ والتراث، فأدركت اللجنة المنظمة بذلك أهمية الدكتور المبدع في تنمية التاريخ وقامت بما يجب أن تقوم به حياله.
فالدكتور “سعيد البوزيدي” عرف عنه أنه .. وكما جاء على لسان الأستاذ الكبير “علي واحدي” إبان شهادته التي أدلى بها في حق الأستاذ المكرم .. أنه غزير الإنتاج العلمي، كثير المشاركة في الندوات والملتقيات العلمية، قام بتأليف العديد من الكتب والمقالات العلمية الرصينة، كما عرف عنه اطلاعه الواسع على الإصدارات المتعلقة بمجال تخصصه، وولعه وشغفه بالبحث العلمي..
ولأنه كذلك بالفعل ، فالدكتور “سعيد البوزيدي” يبقى محل إعجاب وتقدير من كبار المؤرخين المغاربة والدوليين، حيث أصبحت هذه القامة وبدون إطراء أو مجاملة .. مرجعا وقدوة للعديد من المؤرخين والطلبة والمهتمين، ليس بما يتميز به من قيم سلوك إنساني وأخلاقي رفيع المستوى فحسب، وإنما بما حققه من خلال انخراطه الكبير في البحث التاريخي والتكوين البيداغوجي، فقام بالتخرج على يديه أجيال عدة .. مثقفة .. وواعية .. ولهذا، فتكريم الدكتور: “سعيد البوزيدي” يمثل في حد ذاته اعترافا بحق المتفوقين والبارزين والمبدعين من الأطر التي لا تضاهى بجامعة ابن طفيل، كما يعكس هذا التكريم اعترافا بجميل جهوده، كما يساهم كذلك في إعطاء المحتفى به جزءا من حقه، حتى أنه ومهما كان التقدير رمزيا، فإنه يكون محفزا له.. بل إنه ما يلبث أن يشعل عنده جذوة الاستمرار في الابتكار والإبداع والعطاء..

فتحية إكبار وتقدير لهذا الأستاذ الكبير .. المحبوب ..
وألف .. ألف .. مبروك على هذا التكريم .. التكريم الذي يبقى تكليفا كما جاء في تصريح له بالمناسبة .. بل هو تشريفا له .. ومفخرة أيضا لجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، ومن خلالها إلى كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، وإلى شعبة التاريخ والحضارة، وإلى كل الطلبة المنتسبين إلى هذه الجامعة..


Azzaman الزمن