بقلم: هشام كيدر
ما كنا نظن أن ينطفئ نجمٌ فناننا القدير صالح باشا الذي كان يضيء دروب الحزن بابتسامته، ويُسكب دفئه في قلوب المحتاجين بصمته، بهذه السرعة وعلى حين غرة منا، وبدون استئذان من أحد، لقد غادرنا هذا الفنان العظيم إلى عالمه الأزلي المحتوم، حاملا معه كل ما اكتسبه في حياته من جمال، وكل ما زرعه من خير، وكل ما أنفقه من ذاته من حزن وألم دون أن يسأل أو يئن.
فبرحيله ترك الفنان صالح باشا عيون الناس دامعة وقلوبهم منفطرة، وهم يحملون من الحزن أكواما، وهو بالفعل يستحق ذلك رحمة الله عليه، لأنه كان فناناً بالموهبة، بل إنساناً بالفطرة، ونبيلاً بالسجية.
فكل من كان يسمع أغاني هذا الفنان الكبير الذي لا مثيل له في عصرنا هذا، كان يسمع صوتا يشقّ الحناجر، ويوقظ الأحلام، ويعيد للحياة معناها..

فما لا تراه العيون، ولا تسجّله الخواطر، كان الفنان صالح باشا يُدركه بنور من الشعور الفياض، وبشوق واضح بعيداً عن الأضواء والبهرجة المنمقة — فكان يفعل من خلال كل تحرك يتحركه خيرا كبيرا .. فكان رحمه الله يزرع هذا الخير بنفسه كالنسمة الهادئة التي لا تعلن عن مجيئها، لكنها تُحيي الأرض بعد الجفاف.
إن الفنان صالح باشا كان يملك قلباً لا يعرف حدوداً للعطاء، إذ كان لا يمر عليه يومٌ إلا ويُفاجئ به شخصٌ محتاج بمساعدةٍ، أو أسرةٌ تعاني فيساندها، أو طفلٌ يتيم بفرحة، ولم يكن ينتظر شكرًا، وكأنه يريد أن يحفظ كرامة الآخرين كما حفظ الله كرامته.
فكم من مرة سمعنا في عالمنا عن نجوم يتباهون بالتبرعات، ويُظهرون الشيكات الضخمة كأنها تماثيل نصر؟
أما فقيدنا صالح باشا، فلم يُظهر يوماً شيئاً مما قدّم للآخرين.
لقد كان حقا فناناً، ونعم الفنان، كان إنسانا ونعم الإنسان، بل كان أيضاً أملاً وقدوة ورجاء.
إذ إن كل أغنية غناها لجمهوره الكبير كانت تحمل بين طياتها بذرة خير، تنمو في القلوب قبل أن تُسمع، لأن الفن حسب اعتقاده ليس مجرد تسلية، بل رسالة إنسانية.
اليوم، وقد رحل عنا هذا الفنان العظيم، نقف أمام فراغ لا يمكن أن يملأه أي فن، مهما بلغ من علو.
لكننا لا نحزن عليه كما يحزن الناس على من فقدوا، بل نشكر الله أنه أتاح لنا أن نعيش زمنه، أن نسمع صوته، أن نرى وجهه، وأن نشعر بدفئه.

ففناننا الكبير، ربما لن تُبنى له تماثيل في الساحات، لكنه ترك في نفوس آلاف البشر تماثيل من نور، حتى أن كل بيتٍ مسّه كفّه الطاهر سيظل يذكره كل ليلة، وربما ستُكتب سيرته في كل القلوب التي عرفته واحتكت به، وستُروى على الألسن، من جيل إلى جيل، كقصة رجلٍ أعطى كل شيء، وطلب من الدنيا أقل شيء.
فيا فقيد الفن والإنسانية، لقد كنت نجماً في السماء، ودفئاً في القلوب، وصدقةً جاريةً على الأرض.
لقد رحلت عنا يا صالح، لكنك باقٍ في كل ابتسامةٍ أعددتها للناس من حولك..
وفي كل دمعة فرحٍ جففتها من عيون المحتاجين.. وفي كل نفسٍ أنقذتها من اليأس.
لن نقول “وداعاً”، لأن الوداع لمن يُفارق، وأنت لم تُفارقنا.
أنت في كل عمل خير، في كل يد مددتها، في كل قلبٍ تعلم أن العطاء هو أعلى أنواع الغنى.
ارقد في سلام، أيها الفنان العظيم، فالجنة بانتظارك إن شاء رب العباد. .
وإنا لله وإنا إليه راجعون..
Azzaman الزمن